الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
169
شرح ديوان ابن الفارض
هوى طلّ ما بين الطّلول دمي فمن جفوني جرى بالسّفح من سفحه وبل [ الاعراب والمعنى ] يقال « طل » الدم لازما ، أي ذهب هدرا ، وطل بالطاء أكثر ، وطللته أنا أي أهدرته ، وفاعل « طل » ضمير يعود للهوى . و « دمي » مفعوله . فالهوى صير دمه هدرا ، ولكن قوله « فمن جفوني » الخ . يدل على أن المراد من طل سكب فتأمل . ومن جفوني : متعلق بجرى . و « وبل » فاعل جرى . و « بالسفح من سفحه » متعلقان بجرى . والوبل والوابل : المطر الكثير . وفي البيت شبه جناس الاشتقاق بين طل والطلول ، والجناس التام بين سفحه والسفح ، لأن السفح الأول موضع ، والثاني مصدر سفح السحاب المطر أي سكبه وأنزله . ( ن ) : قوله هوى ، بدل من الجوى في قوله : من حر نار الجوى ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو هوى بضمير راجع إلى الجوى أو التقدير عندي هوى خبر مقدم ومبتدأ مؤخر وتنكير للتعظيم . وقوله الطلول بلام العهد ، أي ما بقي شاخصا من آثار دار الأحبة المعهودة لي سابقا وهي عامرة بهم ، كناية عن جسده البالي بتراكم الأشواق ، فإن نفسه لما كانت مدبرة له عن أمر اللّه تعالى كان عامرا بالأرواح المنفوخة فيه ، وهو غافل عن الأمر الرباني والشأن الرحماني ، وجمع الطلول باعتبار تجدد جسده البالي مع الأنفاس القائم بأمر اللّه تعالى أيضا . ثم أنه لما انكشف له أمر ربه انعزلت نفسه عن تدبيره وظهر له التدبير الإلهي فماتت نفسه الأمارة بالسوء وحييت المطمئنة ، ولم يبق من دار جسمانيته إلا الأثر وانتظام طبيعته ومزاجه الحيواني قد انتثر . وقوله فمن جفوني ، أي من أغطية عيوني عين قلبي وعيون حواسي الخمس . وقوله جرى بالسفح ، أي بسفح جبل مزاجي وطبيعتي والمعنى أن ذلك الهوى جعل دمي هدرا من تذكري أحبابي الذين هم تلك الحضرات الإلهية المتصرفون سابقا في بدني ظاهرا وباطنا ، فلما ماتت نفسي وهدر دمي وكان خراب بنيان جسدي بحيث صار كالأطلال البالية ترتب على ذلك جريان مياه المعارف والعلوم الإلهية من أغطية عيوني أي حجب حواسي وعقلي على سفح مزاجي المنجبل من الطبائع والعناصر والأخلاط الأربعة . اه . تباله قومي إذ رأوني متيّما وقالوا بمن هذا الفتى مسّه الخبل [ المعنى ] « تباله » على وزن تفاعل ، ومعناه أظهر قومي البله وعدم الإدراك ، وليسوا بلها وإنما تبالهوا في هذا العلم لأنهم لا يرون الحب مذهبا ، ولا يعتقدون رشدا لمن صبا ، فيكرهون انتساب من هو منهم إلى مقام المحبة ، ولا يسمحون بادّعاء ذلك ولو كان